الشيخ محمد رشيد رضا
408
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وصغار الهمم ، تراهم كاللاهث من الأعياء والتعب وان كان ما يعنون به ويحملون همه حقيرا لا يتعب ولا يعيي ولا ترى أحدا منهم راضيا بما أصابه من شهواته وأهوائه ، بل يزيد طمعا وتعبا كلما أصاب سعة وقضى أربا فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى ارب الا إلى ارب ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي ذلك الأمر البعيد الشأو في الغرابة هو مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من الجاحدين المستكبرين ، والمقلدين الجاهلين ، كذبوا لظنهم أن الايمان بها يسلبهم ما يفخرون به من العزة والعظمة باتباعهم لغيرهم ، ويحط من قدر آبائهم وأجدادهم الذين قلدوهم في ضلالهم ، ويحول دون تمتعهم بما يشتهون من لذاتهم ، فلهذا الظن الباطل لم ينظروا في الآيات نظر تفكر واستقلال ، وتبصر واستدلال ، بل نظروا إليها - لا فيها - من جهة واحدة وهي أن اتباعها يحط من أقدارهم ، ويعد اعترافا بضلال سلفهم الذين يفخرون بهم ، ويحرمهم التمتع بحظوظهم وأهوائهم فكان مثلهم مثل الذي أوتي الآيات فانسلخ منها ، وذلك لا يعيب الآيات وانما يعيب أهل الأهواء الذين حرمهم سوء اختيارهم الانتفاع بها ، وكأين من انسان حرم الانتفاع بمواهبه الفطرية بعدم استعماله إياها فيما يرفعه درجات في العلم والعمل ، وكأي من انسان استعمل حواسه في الضر ، وعقله وذكاءه في الشر ؛ وما ظلمهم اللّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) أي فاقصص أيها الرسول قصص ذلك الرجل المشابهة حاله لحال هؤلاء المكذبين بما جئت به من الآيات البينات في مبدأ أمره وغايته ، ومعناه وصورته ، رجاء أن يتفكروا فيه فيحملهم سوء حالهم وقبح مثلهم ، على التفكر والتأمل ، فاذاهم تفكروا في ذلك تفكروا في المخرج منه ، ونظروا في الآيات ، وما فيها من البينات ، بعين العقل والبصيرة ، لا بعين الهوى والعداوة ، ولا طريق لهدايتهم غير هذه . والآية تدل على تعظيم شأن ضرب الأمثال في تأثير الكلام وكونه أقوى من سوق الدلائل والحجج المجردة ، ويدل على تعظيم شأن التفكر ،